منذ 3 أسابيع

لماذا تتساهل سويسرا في مُعاقبة المجرمين؟

لماذا تتساهل سويسرا في مُعاقبة المجرمين؟
حجم الخط

شبكة وتر-عند اجراء مُقارنة دولية، من المُلاحظ أن المحاكم السويسرية تميل إلى إصدار عقوبات مٌخَفَّفة في حالات ارتكاب الجرائم، حيث تكون العقوبة أقصر بالمقارنة مع العديد من البلدان الأخرى، ولا سيما بالنسبة للجرائم العنيفة. كذلك تقتصر عقوبة السجن في الغالب على مُرتكبي الاعتداءات المُتكررة والمجرمين الخَطرين فقط. والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هنا هو: لماذا هذا التساهل؟

يُظهر إلقاء نظرة فاحصة على قوانين العقوبات في الدول الأوروبية، ان الأحكام الجنائية الصادرة في الدول المُتحدثة بالألمانية -بما في ذلك سويسرا -مُتساهلة نسبياً. وفي ظروف مُعينة، يمكن ألا يُقَضي شخصٌ ارتكب جريمة قتل تحت تأثير "ضغط نفسي شديد" أكثر من سنة واحدة فقط في السجن في سويسرا.

وبالمقارنة مع بلدان أخرى، تكون العقوبات أشد من ذلك بكثير.

رغم ذلك، يمكن أن يُعاقب شخص ثَبُتَ قيامه بارتكاب جريمة قتل بالسجن مدى الحياة في سويسرا. لكن "مدى الحياة" في القانون الجنائي السويسري، لا يعني مكوث الجاني في السجن لبقية أيام حياته.

 ماذا يعني مصطلح "مدى الحياة" في القانون الجنائي السويسري؟

ففي مثل هذه الحالة، يمكن أن يحصل الجاني على إطلاق سراح مشروط بعد 15 عاماً، وأحياناً بعد عشرة أعوام فقط. ومن المُعتاد عموماً في سويسرا أن يتم الافراج المشروط عن مُرتكب الجريمة بعد أن يكون قد قضى ثلثي مدة العقوبة المحكوم بها عليه.

من جانبه، يبدي هانز جورج كوخ الخبير في القانون الجنائي المقارن في معهد ماكس بلانك للقانون الجنائي الأجنبي والدولي في فرايبورغ (ألمانيا) تحفظه بشأن هذه المقارنات. وكما يقول، فإن من الصعب بمكان مُقارنة نطاق العقوبات بشكل عام بسبب اختلاف النُظُم القانونية في البلدين -هذا اولاَ. وثانياً، لا بد من مُقارنة العقوبات المَفروضة بالفِعل، وليس العقوبات التي يَنُص عليها القانون، لأن المقارنة الأخيرة ليست مجدية للغاية.

لسوء الحظ، لا تتوفر هناك إحصائيات تقارن الاحكام القضائية بين الدول. لكن من الواضح أن القضاة السويسريين يميلون إلى إصدار أحكام مُتساهلة، كما أنهم يتجهون في العادة إلى تطبيق الحد الأدنى من العقوبات. وكما يقول مارتين كيلّياس ، وهو محام متخصص بعلم الجرائم، وخبير سويسري معروف في مجال الجرائم الجنائية: "بالمقارنة الدولية، تتوفر سويسرا على قانون عقوبات غير عادي بالمرة، لا سيما في مجال تطبيق العقوبات اليومية من قبل المحاكم".

وكما توضح غابرييلا ماتيفي، رئيسة محكمة الاستئناف في كانتون بازل المدينة، فإن الحَد الأعلى للأحكام "يُخَصَّص للحالات الخطيرة جداً التي لا يمكن للشخص العادي ربما تَخَيلها حتى. لذا، وعند تقييم السلطة القضائية للجرائم الحقيقية، يأتي الحُكم في العادة في النصف أو الثلث السفلي من العقوبات القانونية لجميع الجرائم مهما كانت - سواء تعلق الأمر بالاحتيال، أو الإيذاء البدني أو حتى القتل".

السجن للمجرمين الخطرين فقط

 كما تشير الإحصائيات القديمة، لا يَزُجَّ سوى القليل من البلدان بمثل هذا العدد المُتدني من المجرمين المدانين إلى السجون كما تفعل سويسرا. ويتعلق هذا جزئياً بحقيقة أن العقوبة التي تقل عن سنتين لمُرتكبي جُرم ما لأول مرّة تكون مشروطة في العادة.

وتُظهر نظرة على الإحصاءات السويسرية الراهنة، بأن العقوبات على جرائم العُنف، ومنذ عام 2007، لم تتعد الغرامات المالية بدلاً من عقوبة السجن في كثير من الأحيان. وفيما يلي توضيح للأحكام القضائية المتعلقة بجرائم الإيذاء البدني والسرقة في عام 2017 مقارنة بعام 2006:

هذا الاختلاف هو نتيجة عملية إصلاح كانت تهدف إلى اجتناب عقوبات السجن القصيرة بشكل متعمَّد. وكما يوضح كوخ: "ترغب السلطات في ألمانيا وسويسرا قدر الامكان بتجنب زَجّ المحكوم عليهم خلف القضبان لفترة قصيرة، لأن الجُناة يميلون لأن يصبحوا أكثر إجراماً في السجن". وفي البلدان الأنجلو سكسونية (الناطقة بالإنجليزية)، يتم سجن عدد كبير نسبياً من المخالفين بسبب جرائم تافهة نسبياً -ولمجرد كونهم من المجرمين المُعاودين، كما يضيف.

"العقاب يخدم العدالة أيضاً"

وفقا لكلياس، أصبحت الرأي القائل بِضَرَر الأحكام القصيرة عقيدة راسخة في سويسرا. مع ذلك، لا يوجد إثبات علمي على أن خطر انتكاس المدان يزيد بعد قضائه فترة قصيرة في السجن. وفي بعض الأحيان يتم تجاهل حقيقة ان العقوبات يجب أن تحقق نوعاً من العدالة والاستقرار للنظام الاجتماعي، كما يقول المحامي السويسري.

تبعاً لذلك، تم انتقاد عملية الإصلاح السويسري وتنقيحها مرة أخرى بالفعل. لكن، وبحسب كوخ، كان مبدأ تجنب الأحكام القصيرة بالسجن قد ترسخ في البلاد بالفعل. وعلى حدِّ قوله، هناك عوامل أخرى تلعب دوراً مهما في منع الجريمة.

من جهتها، ترى ماتيفي ان الأثر الرادع للملاحقة القضائية "لا يعتمد إلا بشكل بسيط على مقدار العقوبة. والعامل الأكثر حسماً في مَنع الجريمة هو خطر التَعَرُّض للتحقيق الجنائي، أي ‘الإمساك بالشخص ومعاقبته’. وبهذا الصدد، فإن موقف سويسرا ليس سيئاً وفقاً للمعايير الدولية".

عقوبات مُخَفَّفة كـنوع من "التقدم ثقافي"

 لكن لماذا يتساهل القانون الجنائي السويسري مع المجرمين؟ ولماذا يَعمَد القضاة من جهتهم إلى تخفيف الأحكام أكثر من ذلك؟ قد ترجع إحدى التفسيرات المُحتَمَلة إلى نوع من ضَغط الأقران بين القُضاة. وكما كشفت دراسة نُفِذَت في ألمانيا، يوجد هناك "موروث للتقاليد الإقليمية"، بمعنى أن القضاة -نساءً ورجالاً -  يتأثرون بقرارات زملائهم، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء ممارسات قضائية أكثر اعتدالاً أو أكثر صرامة إلى حدٍّ ما في بعض مناطق البلاد.