منذ 3 أشهر

عندما يُسجن الوداع

عندما يُسجن الوداع
حجم الخط

شبكة وتر-قبل حوالي عامين أصيب والدي أثناء عمله في البلدية – والدي يعمل سائق شاحنة النفايات في بلدية الدوحة وأصيب أثناء عمله حيث انقلبت إحدى الحاويات على رجله – تم نقله لمستشفى الجمعية العربية وتولى أخي الكبير مهمة إخباري بإصابة والدي ، لا زلت أذكر ذلك اليوم فقد كنت في طريق عودتي من جامعة بيرزيت لمكان عملي – راديو حلا في العيزرية – عندما أجبت على الهاتف كنت أتوقع بأن أخي يريد الاطمئنان على أحوالي كعادته ، لكن صوته لم يكن قوياً كعادته ، أخبرني أن والدي تعرض لحادث بسيط وأنه الآن في المنزل وأنهم أرادوا إخباري حتى لا أعلم من أحد الأقارب فأنا في ذلك الوقت كنت أعيش مع خالتي لقرب مسكنها من مكان عملي ، لم أقتنع برواية أخي وأردت منه أن يعطي الهاتف لأبي ليطمئن قلبي أكثر لكنه رفض .


بدأت محاولة الاتصال في هاتف والدي ووالدتي لكني لم أحظى بفرصة الإجابة منهما ،ظللت أحاول حتى غلبني التعب والإيقان بأن أبي ليس في حالٍ جيدة ، اضطررت لأن أعاود الاتصال بأخي الأكبر واستعمال أسلوب الضغط معه لمعرفة وضع والدي الصحي ، قال لي :" لقد وقعت الحاوية على رجل والدي وهو الأن في مستشفى الجمعية العربية ولربما هو بحاجة إلى عملية جراحية ." وقع هذه الكلمات على مسامعي كان كفيل بإصابتي بسكتة قلبية ، لا أعلم كيف ومتى وأين ولكنني بلمح البصر انتقلت من العيزرية إلى بيت لحم ومن ثم للجمعية العربية ، سألت موظفة الاستقبال عن اسم والدي ورقم غرفته وذهبت وقلبي يسبقني ليطئمن عليه ، فهو ليس الوالد فقط بالنسبة لي ، هو داعمي الأول وصديقي وأخي ، ما أن وصلت إلى غرفته حتى انهرت من البكاء ، كان ممداً على الفراش ومرتدياً ملابس العمليات ، لقد جهزوه ليدخل لغرفة العمليات لإجراء عملية كما وصفها الدكتور آنذاك أنها بسيطة . 


دخل والدي غرفة العمليات الساعة التاسعة مساءً وهنا بدأت رحلة العذاب لدي ، تارة تراني جالسة عند باب الغرفة وتارة أخرى أكون مقابل الغرفة وتارة أخرج خارج المبنى ، عدا عن الأفكار السوداء التي سيطرت على رأسي فأنا معروفة لدي عائلتي بأنني ملكة الأفكار السوداء ، انتهت رحلة العذاب عند الساعة الحادية عشرة مساءً ، خرج الدكتور من الغرفة وقال :" الحمد لله على سلامتو ." تنهدت تنهيدة لم أتنهدها قط في حياتي وشكرت الله ألف مرة على إعادته والدي لي بالصحة والسلامة . 


هذه قصتي مع والدي أثناء إصابته وخضوعه لعملية بسيطة لكن محمد صالح أبو عكر من مخيم عايدة في بيت لحم كان له قصة مختلفة مع والده ، محمد ابن التاسعة والعشرون عاما لم يحظى بفرصة وداع والده الذي توفي قبل عامين ، كان محمد في سجن عوفر يقضي محكوميته البالغة سنتين ، وعند الساعة الثانية بعد الظهر وعند استماعه للراديو كان المذيع يقول :" تعازينا لآل أبو عكر بوفاة فقيدهم المرحوم صالح أبو عكر " أبو محمد " . وسكت المذيع وسكت معه صوت محمد الذي ضاقت به الدنيا . 


ردة فعل محمد كان يجب أن تكون مدروسة ، إذا قرر الغضب والثورة فسيعاقب بالحبس الانفرادي ولربما بجرعات أكبر من التعذيب ، حزن محمد كان أكبر لعدم وجود أربعة من أصل سبعة أخوة لديه في السجون الاسرائيلية ، فالألم هنا مضاعف أكثر . عند خروج محمد من السجن أول مكان توجه له لزيارته كان قبر والده طالباً منه السماح لعدم قدرته على وداعه . 


أنا ومحمد كلانا نعيش في نفس المحافظة مع اختلاف المخيمات ، كلانا البكر لأهله ، لكن كلانا في ظروف مختلفة فأنا عند إصابة والدي ورغم وجود الحواجز العسكرية إلا أنني استطعت الوصول للمستشفى والاطمئنان على صحته لكن محمد عند وفاة والده لم يجد وسيلة للتعبير عن حزنه وغضبه لعدم وجوده بجانب والده وتوديعه وتشييعه سوى البكاء بصمت ، وداع الموت من أصعب ما يمكن أن يواجهنا في حياتنا خصوصاً وداع الوالدلين فما بالكم فيمن يصله خبر وفاة والده ولا يستطيع أن يراه لأخر مرة ، لم يستطع محمد التأمل وجه والده وتفاصليه ، لم يستطع تشييع والده لمثواه الأخير ، لم يستطع أن يبقى بعد رحيل المشيعون ليؤنس والده في وحدته .