منذ 7 أشهر

تطبيق "صفقة القرن" ليس مرهونًا بقبول إسرائيل لها

تطبيق
حجم الخط

شبكة وتر-منذ إعلانها في البيت الأبيض من قبل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وبحضور رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، لم يصدر موقف إسرائيلي رسمي من الحكومة بالموافقة على الصفقة أو رفضها.

يعود ذلك إلى تباين مواقف أطراف الحكومة الإسرائيلية بشأن الصفقة أولًا، وإلى موقف الحكومة الأميركية التي لا تشترط موافقة إسرائيلية مسبقة قبل المضي في تطبيق الصفقة، إذ إن أميركا قد طبقت أجزاءً منها قبل إعلانها أيضًا.

تتفاوت مواقف أركان الحكومة الإسرائيلية من الصفقة بين ثلاثة اتجاهات: الأول طالب بالموافقة على الصفقة كاملة وكرزمة، وهو ما عبر عنه نتنياهو؛ والثاني طرح رفض مقترح الدولة الفلسطينية في الصفقة، مع اعتبارها في المقابل فرصة تاريخية تعطي إسرائيل الضوء الأخضر للقيام بعملية ضم تدريجي لفلسطين المحتلة عام 1967، وهو ما عبر عنه وزير الحرب، نفتالي بينيت، وشريكته في حزب "إلى اليمين" (يميناه)، أييليت شاكيد. أما الموقف الثالث، فعبر عنه وزير المواصلات بتسلئيل سموتريتش، رئيس حزب الاتحاد القومي – تكوما، الذي رأى ضرورة استغلال الصفقة من أجل القيام بالضم الكامل فورًا للضفة، بوصفها تمثل "أرض الأجداد" حسب قوله.

وفي توسيع لهذا الموقف الأخير، طالبت بعض قيادات المستوطنين برفض "صفقة القرن" لاشتمالها على إقامة دولة فلسطينية، ومن هؤلاء رئيس ما يطلق عليه اسم "مجلس إقليمي شومرون" الاستيطاني، يوسي داغان. وقد عكست اختلافات الحكومة نفسها على المستوطنين، إذ إن رئيس بلدية مستعمرة إرئيل، إلياهو شابيرو، يؤيد موقف نتنياهو، وأعلن استقالته من مجلس المستوطنات ذاته احتجاجًا على موقف داغان.

يبدو للوهلة الأولى مما تقدم، وكأن نتنياهو هو الأكثر اعتدالا بين تيارات اليمين الإسرائيلي. ولكن هذه النتيجة ليست إلا وهمًا، إذ ان نتنياهو يرفض إقامة الدولة الفلسطينية بما لا يقل عن غيره من أقطاب اليمين، ولكنه بحكم خبرته الطويلة في العمل السياسي أمهر منهم في التكتيك، وبهذا الاتجاه، فقد وافق على إيراد فكرة الدولة الفلسطينية في "صفقة القرن"، ولكنه في المقابل وضع لها شروطًا تجعل إمكانية إقامتها أمرًا غير محتمل على الإطلاق، وشمل ذلك 35 شرطًا أضافها للصفقة تشطب حق العودة للاجئين، وتبقي القدس والمستوطنات الاستعمارية بيدي إسرائيل، كما تبقي اليد العليا في مجال الأمن لإسرائيل وغير ذلك من الشروط التعجيزية، كاشتراط اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية، وكذلك اعترافهم بحدودها الشاملة للمناطق التي ستضمها إليها في غور الأردن والمستوطنات الاستعمارية، وهي ما يعني إنهاء السردية الفلسطينية واستبدالها بسردية "أرض إسرائيل بوصفها ملكية حصرية لشعب إسرائيل"، وبالتالي نزع الحقوق القومية والجماعية عن الشعب الفلسطيني، واستبدالها بحقوق فردية لا غير.

في هذا الإطار اتفق نتنياهو مع الإدارة الأميركية على تشكيل لجنة مشتركة لتحضير خرائط الضم، وللتوصل إلى اتفاق بشأن حجم الأراضي التي يجب ضمها، وما إذا كانت ستقتصر على مسطحات البناء القائمة للمستعمرات، أو تشمل مخططاتها الهيكلية الأوسع. وكذلك للتفاهم على حجم الأراضي التي ستضم إلى إسرائيل في منطقة الغور، واتفق أن تقوم إسرائيل بضم كل المناطق التي سيتم التفاهم عليها مع أميركا دفعة واحدة، وهو ما سيرضي أكثر أطراف اليمين الإسرائيلي تشددًا.

يُستنتج مما تقدم، وجود إجماع على الضم في إسرائيل، وهو إجماع يشمل أيضًا حزب "كاحول لافان" (أزرق ابيض) المنافس لنتنياهو على السلطة، كما يوجد إجماع على رفض قيام دولة فلسطينية. وفي اجتماع الحكومة يوم الأحد، التاسع من شباط الجاري، قال نتنياهو لأعضاء الحكومة مطمئنًا إياهم: " الأميركان لا يطالبوننا بالموافقة على دولة فلسطينية"، وقوله هذا دقيق تمامًا وفق "صفقة القرن" ذاتها، والتي لا تنص على إقامة دولة فلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية، ولكنها تنص على إقامة كيان دون سيادة ويخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، وتمت تسميته مع ذلك بدولة تقوم على البقايا بعد أن تضم إسرائيل ما تريد ضمه.

وتبقي الصفقة إقامة هذا الكيان مشروطًا بتلبية الفلسطينيين لـ35 شرطًا تعجيزيًا كما سبق ذكره، ويكون من حق إسرائيل بعد مهلة أربع سنوات معطاة للفلسطينيين أن تفعل ما تشاء، إذا ما عجز الفلسطينيون عن الوفاء بالشروط التعجيزية المطروحة عليهم، ومن ضمن ذلك بالطبع القيام بضم الضفة كلها أحاديًا إلى إسرائيل.

على أساس هذا التوافق، لا يبدو الخلاف داخل الحكومة الإسرائيلية أكثر من خلاف شكلي على زمن وتوقيت الضم، وكأنه لا يتجاوز تقاسم الأدوار للضغط على الإدارة الأميركية لإجراء الضم فورًا، أو تأجيله إلى ما بعد عدة أسابيع، أي إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في الثاني من آذار المقبل.

وتتوافق الإدارة الأميركية ثانيًا مع الحكومة الإسرائيلية عمليًا، وذلك عبر قيامها بتشكيل لجنة مشتركة أميركية - إسرائيلية في ما يتعلق بالضم، من دون أن تشترط تشكيل هكذا لجنة بموافقة إسرائيلية رسمية قبل ذلك على "صفقة القرن". فما معنى ذلك؟

إن المعنى الوحيد لكل ذلك، أن "صفقة القرن" ليست إلا مرحلة من مراحل الحلول التي يطرحها التيار الصهيوني المسياني والمسيحي الإنجليكاني ضمن تحالفهما الراهن، وأنه سيكون هناك لهذه المرحلة ما يليها على شاكلة الاتفاق على ضم الضفة كلها، وربما التخلص من سكانها وترحيلهم. وقد عبر نتنياهو عن هذا التوجه حين قال في الـ30 من كانون ثاني الماضي، إن الضم المطروح في "صفقة القرن" ليس إلا مرحلة أولى، ستليها مراحل أخرى تطالب بها إسرائيل الولايات المتحدة بضم مناطق أخرى أوسع من الضفة، كما أضاف نتنياهو أن الرفض الفلسطيني لدولة البقايا الفلسطينية المشرذمة تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية كما هي مطروحة في الصفقة، سيجعل إسرائيل في حلٍّ من الموافقة على إقامة دولة البقايا هذه، وفي حلٍّ كذلك من تعهدها بعدم إنشاء مستعمرات جديدة، عدا عن القائمة التي أقرت "صفقة القرن" ضمها كلها إلى إسرائيل بعد الانتخابات البرلمانية مباشرة، بما في ذلك ما يسمى بالمستوطنات العشوائية، والتي ستبقى كجيوب خاضعة لإسرائيل ومرتبطة بها كما اتفق مع الإدارة الأميركية.

لهذه الأسباب، لا يوجد رد إسرائيلي رسمي على الصفقة، إذ إنها تهدف للتطبيق الأميركي - الإسرائيلي المشترك لها، سيما في ما يتعلق بالضم، كما إنها مرحلة أولى لخطط لاحقة ستأتي بضم أوسع، سيتم حتمًا، إلا إذا حدثت مفاجآت يمكن أن تقلب الطاولة على صانعي هذه الصفقة ومنفذيها.

وفي هذا الإطار يراهن نتنياهو على أن الرفض الفلسطيني المحق والعادل للصفقة سيتيح لإسرائيل إمكانية الانتقال إلى ضم أوسع سيما إذا لم يستطع الفلسطينيون ترجمة رفضهم إلى أفعال تجبر إسرائيل وأميركا على التراجع.