الثلاثاء 26، أكتوبر 2021
º
منذ 11 شهر

اصغوا لأصوات الجناة وأقروا قانون حماية الاسرة

اصغوا لأصوات الجناة وأقروا قانون حماية الاسرة
حجم الخط

شبكة وتر-  ثمة قاسم مشترك بين الطرف المُناصِر والساعي إلى حماية ضحايا العنف الاسري عبر إقرار فوري لقانون حماية اسرة فلسطيني، والطرف المُعارِض لكل تلك المساعي.. وهو أن كلا الطرفين ينطلقون من أساس منهجي واحد في الدفاع عن القانون أو الهجوم عليه.

ويكمن في منهج الإصغاء الى صوت الضحايا من قبل الجهات المساندة، في مقابل منهج التنكر والخوف من الاصغاء الى صوت الضحايا لدى الطرف المعارض. وباعتقادي، فإن هذا توجه يشوبه قصور يترتب عليه خطورة كبيرة لا تصب في مصلحة الضحايا وتحقيق العدالة لهن/م واجده توجها فيه استمرار لحماية سطوة الذكورية؛ ما يجعلنا منطلقين دوماً في دفاعنا ومعالجاتنا من موقع ردة الفعل على الإجرام والعنف أي وفق معيار "الضحية الاسهل"، وليس في الفعل نفسه الذي مارسه الجاني والمُعنِّف وخصائص شخصيته التي أنتجت سلوكه العنيف والاجرامي.

هذان منهجان مختلفان ودلالاتهما متباينة، فكل واحد منهما يعبر عن وعي وإدراك وثقافة على نحو معين، بالتالي يقود ذلك الى نتائج مختلفة تؤثر في طبيعة وفلسفة السياسة الجنائية التي نطمح نحو إرساء دعائم الامن الاسري اساساً.

عادةً ما ارتكزت مطالباتنا ونضالاتنا في إطار حماية ضحايا العنف الاسري وخصوصاً النساء والأطفال على أصواتهم وتجربتهم مع العنف الاسري بمعزل عن المجرمين. وانني ارى في هذا التوجه ما هو الا استمرار في تكريس توجه نمطي يبحث في شخصية وحياة ضحايا العنف الاسري والاثار المترتبة على هذا العنف دون الجناة. الضحايا اللذين غالبيتهم من النساء مستجيبين بذلك بصورة غير واعية لمحظورات فرضها المجتمع وحمتها المؤسسة الرسمية في عدم الخوض في شخصية الجناة، الذين غالبهم في جرائم الاسرة هم من الذكور أو يتبنون الفكر الذكوري من كلا الجنسين؛ معززين بهذا التوجة سعي المجتمع ومؤسساته في حماية الجناة وعدم الاقتراب من تلك الشخصية.

وفي ذلك، وأرى ان  هذه نقطة ارتكاز شكلت كافة المنطلقات للمدافعين/ات والمهاجمين/ات  عن وضد قانون "حماية الاسرة" أساسها ان هذا القانون نابع من أصوات الضحايا فقط. هذا توجه نمطي تبنته القوى المدافعة عن القانون وتحديداً الحركة النسوية الفلسطينية وقوى حقوق الانسان عموماً متناغمين مع نمطية قوى الرفض. حيث ان رفضهم للقانون كونه اساساً يستجيب الى صوت الضحايا من النساء بشكل أساسي والأطفال.  وهو توجه ابوي قلق يريد الاستمرار في الحفاظ على هالة العنف الذكورية وعدم الخوض في شخصية المعنف وبنيته النفسية والاجتماعية التي يتبناها ويناصرها المجتمع. فالمساس والكشف عنها هو مساس بالمجتمع؛ كون قيم العنف المقبولة اجتماعيا تشكل أساس هذه الشخصية. 

لقد غاب عن ذهنية القوى المناصرة للقانون والمستندة على صوت الضحايا اساساً مسألة في غاية الأهمية والخطورة وهو ان صياغة قانون وأحكامه ومواده بمعزل عن تجربة الجناة وشخصياتهم وانماطهم ينجب قانون اعرج يبقي الضحايا في دائرة قانون تم بناء مواده استجابة لصورة نمطية مستمرة.  بذلك هو قانون تناول حاجة الضحية بصورة مجتزأة، بعيدا عن شخصية الجاني التي يجب دراستها اساساً، ثم بناء على ذلك تصاغ المواد والاحكام وحتى عملية التأهيل بما يتلائم مع شخصية ونمط الجاني على أمل ان يحقق الغاية الأساسية وهي حماية الضحايا، وتأهيل شخصية الجاني. ودون ذلك، يكرس القانون المُنتظر المصلحة الفضلى للمجتمع والجناة وليس الضحايا، للأسف.

الحق، إن عدم أخذ هذا البعد بعين الاعتبار والانطلاق من هذا التصور اساساً في صياغة القانون المنشود، يعني قصوره في تحقيق سياسة ردع للجناة بموازاة عجزه الكبير في تحقيق التوجه التأهيلي المناسب لهم، فضلا عن قصور في سياسات وبرامج الحماية الملائمة والمأمولة لضحايا العنف.. إذ ان جميع ما ذكر يجب ان يُبنى على طبيعة الشخصية الاجرامية التي أدت الى نوعية وخطورة معينة من الاجرام الاسري بحق الضحايا، حيث ان تحقيق  العدالة لضحايا العنف والاجرام الاسري وتوفير الحماية والوقاية يبقى منقوصاً من دون الاستناد الى دراسة معمقة وشاملة، ناهيك عن الاصغاء إلى تجربة الجُناة مع العنف الاسري ومرورا بالإجابة على سؤال "كيف أسس هذا العنف لخلق شخصية إجرامية لها خصائصها وسماتها محدثة عنف وجريمة ذاب طابع معين؟".

هذه مقتطفات لجزء من مقدمة دراسة علمية قادتني اليها تجربتي البحثية مع عدد كبير من الجناة في مراكز الإصلاح والتأهيل الفلسطينية. نعم، تجربة قادتني الى الاصغاء لصرخات طفولة الجناة الذين تطورت بهم الأمور حتى اصبحوا مجرمين حوكموا على جنايات لسببين رئيسين فقط أولها : عدم وجود قوانين وشبكات حماية تنقذ طفولتهم، الأمر الذي أدى إلى تركهم فريسة السلطة المطلقة للوالدين ولذوي القربى في عائلاتهم . والسبب الثاني هو انهم كانوا ضحية صمت ومباركة المجتمع للعنف الاسري الذي تعرضوا له .

تخيلوا كيف عذب وطرد هؤلاء الأطفال خارج بيوتهم في جنح الليل، وكيف اكتوت أجساد البعض منهم بالنيران، عندما استخدمت ملاعق الطعام والسياخ التي كانت تسخن على نار الغاز وتكوي أجسادهم.. كيف كانوا ضحية تحقيق ملذات الاب بتعدد الزوجات مجبرين على سوق عمل لا يرحم طفولتهم، وقائمة اشكال وصور العنف التي تعرضوا لها على يد اقرب الناس لهم تطول! .

هذه ليست الصورة جميعها. اذ يحدثونك ويصفون قوة صمت المحيطين بهم أثناء مواجهة هول ما تعرضون له.  وكيف التقى جهل الاب والام معاً ما أنتج صورة متناغمة بممارسة العنف ومباركة بقية العائلة لهم، واحياناً وقفت قدرات الام والأب عاجزة عن حماية الابن من جبروت الاعمام او المتحكمين بالعائلة. تفاصيل عنفيه كانت كفيلة بخلق شخصيات وطرق إجرامية بشعة لا تشبه بعضها بالتأكيد وإن تشابهت ظروف تنشئتهم.

ربما صوت الجناة من الذكور الذين ما عادت السجون تتسع لهم في بلادنا، وصوت الأطفال الذين في خلاف مع القانون، فيه صرخة بضرورة النظر لأهمية القانون وخاصة من قبل جهات المعارضة التي تشن حملات تشويه وممانعة بحجة انه قانون يدعو الى تفسيخ الاسرة وتقويض سلطة الذكور في التأديب، ومن باب الادعاء ب"مخالفة الشريعة الإسلامية".

فلا تجعلوا قلقكم من صوت الضحايا ان تغمضوا أعينكم أيضاً عن صوت الجناة الذين هم أيضاً بحاجة الى القانون اذا ما تمعنا بمسيرة تحولهم الى شخصيات خطرة على أنفسهم وعلى مجتمعهم عندما لم يجدوا قوانين حامية تحمي طفولتهم وبلوغهم داخل اسرهم.

انني ادعوا الى القيام بمراجعة ملحة لمواد القانون وأحكامه ومدى محاكاتها لطبيعة ونمط الشخصية الاجرامية، وليس فقط من منظور المجتمع لحاجة الضحايا.. اذ أنه بدون هذا التوجه، ستفشل كل أحكام القانون التي تبني عقوبات وخطوات تدخلية بمعزل عن طبيعة ونمط الشخصية الاجرامية، والتي هي شرط من شروط بناء قانون رادع.
فعند صياغة القانون وأحكامه، يجب الاخذ بعين الاعتبار شخصية ونمط الجناة هو الأساس الي تبنى عليه البرامج التأهيلية حتى يكون حينها بمقدوره العودة الى الاسرة دون تكرار فعل الجرم.