فلسطين الغائبة التي ملأت نيويورك
شبكة وتر- كتب فادي أبو بكر: لم تشارك فلسطين في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة من مقعد رئيسها محمود عباس الذي غاب عن قاعة نيويورك بعد رفض الولايات المتحدة منحه وأعضاء من الوفد الفلسطيني تأشيرات الدخول. لكن الغياب لم يتحول إلى عزلة، حيث سارعت الجمعية العامة إلى تجاوز غياب الرئيس عباس بالسماح له بإلقاء كلمته عبر تسجيل مصوّر مسبق في قرار حصد تأييد 152 دولة مقابل ثلاث دول هي الولايات المتحدة وإسرائيل وباراغواي وامتناع أربع دول. وهكذا تحوّل الغياب الفلسطيني من إجراء أميركي إلى مشهد سياسي بحد ذاته، وأصبح السؤال لا يتعلق فقط بمن جلس في القاعة، بل بمن يملك حق الحضور والتحدث على المنصة الدولية.
تدخل فلسطين قاعة الأمم المتحدة هذا العام مرة أخرى من خلف الشاشات، لكن غياب رئيسها محمود عباس لم يحجب حضور قضيتها، فقد تصدّرت مساحة واسعة من خطابات اليوم الأول. حيث حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من العنف والتهجير والاستيطان في الضفة الغربية ومن تقويض حل الدولتين، ودعا إلى قيام دولة فلسطينية كشرط للسلام الدائم، فيما انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عجز المجتمع الدولي عن وقف الكارثة الإنسانية في غزة، داعياً إلى توسيع الاعتراف بدولة فلسطين. وحذّر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني من استمرار إدارة الصراع بدلاً من حله، بينما ربط الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا مأساة غزة بشلل مجلس الأمن وعجز النظام الدولي، محذراً من آثارها على أجيال الفلسطينيين ومن تهديد الاستيطان لحل الدولتين. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فانتقد استمرار الأزمة الإنسانية في غزة، مؤكداً أن ما يجري يضع مصداقية المجتمع الدولي والقانون الدولي على المحك. وهكذا بدا أن فلسطين لم تكن حاضرة فقط بوصفها قضية حرب في غزة، بل بوصفها اختباراً للقانون الدولي ولمستقبل حل الدولتين ولقدرة المؤسسات الدولية على تحويل مواقفها السياسية إلى أفعال.
لم يتوقف الحضور الفلسطيني عند منصة الأمم المتحدة. ففي نيويورك نفسها حيث غاب الرئيس عباس عن القاعة، ظهر عمدة نيويورك زهران ممدان بوصفه صوت آخر لفلسطين من داخل السياسة الأميركية المحلية. حيث وصف ممداني رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه مجرم حرب ومهندس إبادة مروعة بحق الفلسطينيين، داعياً إلى احترام مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، مع إقراره بأن منصب رئيس بلدية نيويورك لا يمنحه صلاحية تنفيذها. ورد نتنياهو باتهامه بـ "دعم الإرهاب" والتحريض على أعمال عدائية ضد اليهود معلناً أنه سيستخدم منبر الأمم المتحدة للرد عليه.
وجدت فلسطين طريقاً آخر إلى قلب المدينة عبر ممداني لتخرج من إطار التمثيل الدبلوماسي والخطابات الرسمية إلى فضاء السياسة المحلية والإعلام والنقاش العام والاحتجاجات المرتقبة في المدينة التي تحتضن مقر الأمم المتحدة. وبذلك ساهم ممداني في إبقاء فلسطين حاضرة في المشهد السياسي النيويوركي باعتبارها موضوعاً يتقاطع مباشرة مع السياسة الأميركية الداخلية في اللحظة التي كان فيها غياب الرئيس الفلسطيني يهدد بتحويل المشاركة الفلسطينية إلى مجرد حضور رمزي عبر شاشة.
ومن هذه الزاوية تحديداً، تكتسب إشادة الرئيس الأمركي دونالد ترامب بممداني في نفس اليوم دلالة سياسية تتجاوز المجاملة. فقد اختار ترامب رغم خلافاته مع زهران ممداني أن يصفه بأنه قد يكون "رئيس بلدية عظيماً" في مقابل تأكيد ممداني استعداده للعمل مع أي طرف يستطيع تقديم نتائج لسكان نيويورك. ويمكن قراءة هذا الانفتاح في أحد التفسيرات الممكنة ضمن محاولة لاحتواء التوتر مع ممداني بدلاً من تحويله إلى خصم مباشر إبّان زيارة نتنياهو المدينة، واحتلال فلسطين مساحة واسعة من النقاش السياسي. فأي تصعيد في خطاب ممداني الذي يمتلك منبراً سياسياً وإعلامياً مهماً في نيويورك يمكن أن يتحول إلى وقود إضافي للاحتجاجات الشعبية ضد زيارة نتنياهو.
وما يقودنا إلى هذا الافتراض الاستنتاجي حقيقة أن ما بدا تقارباً في الظاهر ما بين ترامب وممداني لم يُنتج تراجعاً في موقف الأخير من نتنياهو. فبعد اللقاء عاد ممداني إلى تأكيد ضرورة احترام مذكرة الاعتقال الدولية، بينما واصل نتنياهو مهاجمته والاستعداد للرد عليه من منصة الأمم المتحدة. لذلك، إذا كان في اللقاء جانب من الاحتواء، فهو احتواء للتوتر لا إلغاء للخلاف.
في نيويورك غاب رئيسنا عن القاعة لكن فلسطيننا لم تغب عن المشهد، بل انتقلت من مقعدٍ خالٍ إلى شاشة ومن الشاشة إلى خطابات القادة ومن القاعة إلى صوت ممداني في قلب المدينة. وربما كانت المفارقة الأبلغ أن محاولة حصر الحضور الفلسطيني في غياب رئيسه انتهت بتوسيع حضوره خارج المنصة نفسها. فحين أُغلق باب القاعة فتحت القضية أبواباً أخرى في السياسة والإعلام والشارع.
عبثاً تحاول يا ترامب حجب الدولة الفلسطينية عن المشهد .. فالسؤال الذي يفرض نفسه في نهاية المطاف ليس كيف تُمنع فلسطين من الظهور، بل هل يمكن أصلاً تغييبها وإخراجها من المشهد ؟!.